عماد الدين خليل
249
دراسة في السيرة
القتال قريبا منه ، فخاطب نفسه : وأنت في الدنيا ؟ ألقى قطعة اللحم من يده ثم أخذ سيفه وتقدم ، فقاتل حتى قتل « 1 » . أخذ الراية رجل من المسلمين يدعى ثابت بن أقرم ونادى : يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم . قالوا : أنت . قال : ما أنا بفاعل . فتشاور الناس واتفقوا على تسليم القيادة لخالد بن الوليد . وفي قلب الفجيعة واحتدام القتال كان المسلمون ينفذون ( قيما ) ويصنعون أخرى . . ثابت بن أقرم وهو يرفض القيادة ، لا خوفا أو جبنا ولكن إدراكا لقدراته وطلبا للأكفأ والأحسن ، والمقاتلون وهم ( يتشاورون ) لاختيار قائدهم الجديد بعد فجيعتهم برؤسائهم الثلاث « 2 » . . ولقد كان خالد عند ظن أصحابه ، التمعت عبقريته القتالية في لحظة الامتحان الخطير هذه ، فجعل هدفه أن ينسحب بالمسلمين وأن يجنبهم عملية إبادة شاملة هي الآن قاب قوسين أو أدنى منهم . . وماذا بعد ضياع زهرة قوات المسلمين وتبعثر جثث ثلاثة آلاف مقاتل في الصحراء بعيدا عن رسولهم وأهليهم ؟ سيقول الإمبراطور إن اندفاعا حماسيا من جزيرة العرب قد سحق ، وعلى أعراب الجنوب ألا يفكروا مرة أخرى بمصارعة سيدة العالم ، المنتصرة على الساسانيين ، وسيقول أتباعه من نصارى العرب إن كلمة سيدنا هي الكلمة ، وإن تبعيتنا وطاعتنا في مكانها ، لن يحرفها نداء رجل جاء يدعونا إلى عبادة اللّه وحده وترك عبادة العباد ! وسترفع الوثنية واليهودية وحركة النفاق رؤوسها ثانية في قلب الجزيرة في محاولة لاسترداد مواقعها القديمة التي أزاحها عنها الإسلام . ولقد بدأ خالد تحقيق هدفه هذا بأن رسم خطة سعى فيها إلى إيهام العدو أن المسلمين لا زالوا في أماكنهم يقاتلون ، فدفع مقدمتهم إلى مناوشة العدو ، وأجرى تغييرات في مواقع جنده ، بين ميمنة وميسرة ومقدمة ومؤخرة ، وأرسل خلف الجيش عددا من الرجال والخيول يحدثون جلبة شديدة ويثيرون النقع ، ليوهم العدو أن مددا قد جاءه ، وما أن حلّ الظلام حتى انسحب من الميدان ، وأخذ طريقه جنوبا ، منقذا معظم المسلمين من فناء محقق « 3 » ، ولم يخسر
--> ( 1 ) ابن هشام : ص 272 - 273 ، الطبري : تاريخ 3 / 39 - 40 ، ابن سعد : 2 / 1 / 93 ، الواقدي 2 / 761 . ( 2 ) ابن هشام ص 273 ، ابن سعد 2 / 1 / 64 ، الطبري : تاريخ 3 / 40 ، الواقدي 2 / 763 - 764 . ( 3 ) انظر الواقدي 2 / 764 .